زيتون | العدد 128 | 1 نيسان 2016

“النظام يعتبرنا ارهابيين والتنظيم يتهمنا بالفرار من الزحف”

 

زيتون – محمد علاء

الحاج أحمد رجل بلغ من العمر 60 عاماً لم يخرج منذ ولادته من مدينة تدمر بريف حمص الشرقي، وعاش فيها حياته مع أبنائه الثلاثة وابنتيه وزوجته، وكان رافضاً لفكرة الخروج منها لولا مقتل اثنين من أبنائه بالقصف الروسي على منزله، قبل سيطرة النظام على المدينة بأيام.

بعد بدء هجوم قوات النظام المدعومة بمليشيات موالية، وبدعم جوي روسي مكثف، تخلى الحاج أحمد أخيراَ عن بلده الغالية على قلبه تدمر، والتي حولتها الاشتباكات والقصف الى تدمر مدمرة ثانية، لكن بفعل الانسان وليس بفعل مرور الزمان كما حال مملكة زنوبيا التاريخية مثلما وصفها أبو الحاج أحمد.

يروي الحاج أحمد عن رحلته الطويلة من مدينة تدمر الى اعزاز: “خرجنا من مدينة تدمر ولا يوجد لنا طريق آخر سوى مناطق تنظيم الدولة الأخرى، والتي لا تقل سوءاً عن تدمر، وصلنا بعد رحلة طويلة الى محافظة دير الزور، فنصحنا البعض أن نذهب للرقة، والتي جلسنا في شوارعها يومين كاملين، دون أن يقدم لنا التنظيم أي عون يذكر، بينما لم يقصر معنا أهالي المدينة الكرماء، لكننا لم نجد مبيتاً فيه، وبقينا في شوارع المدينة نبحث عن بيت أو دكان أو مدرسة، فقد كانت ممتلئة وغير قادرة على استيعاب أحد آخر، كوننا تأخرنا بالخروج من المدينة”.

وأضاف الحاج أحمد: “قررنا بعدها الذهاب لمحافظة حلب، وقيل لنا أنه يمكن منها الذهاب لتركيا من أجل متابعة علاج ابني الذي أصيب أيضاً بالقصف، ولَعَلْي أجد عمل أستطيع أن أعيل فيه عائلتي، ووصلنا الى بلدة مسكنة، قيل لنا أن التنظيم لا يسمح للمدنيين مغادرة أراضيه لمناطق الجيش الحر، والتقينا بشخص قال أنه قادر على تهربينا ليلاً الى تركيا، مقابل مبلغ مالي ضخم، فوافقت مكرهاً واتفقنا على الخروج ليلاً، وفعلاً انطلقنا ليلاً ونزلنا بعد مسيرة ساعتين بسيارة، وأنزلنا أمام ساتر ترابي ضخم وخندق على أطراف مدينة قال لنا أنها جرابلس، وطلب منا أن نسرع ونتجاوز الساتر الترابي والخندق قبل أن يأتي حرس الحدود التركي أو عناصر التنظيم، وانطلقنا مسرعين وبدأنا نسير الى أن أشرقت الشمس وكنا قد وصلنا لقرية اسمها “قردلة وسطاني” قرب منبج، وإذا بنا لا نزال داخل الأراضي السورية، وكان ذلك الساتر والخندق قد أنشأه التنظيم بمحيط مدينة منبج”.

ويكمل الحاج أحمد: “بعدها اتجهنا لمدينة الباب والتي منها سمح لنا التنظيم للقدوم الى مدينة اعزاز، وتم إيواء بناتي وزوجتي في مركز إيواء خاص بالنساء، ونمنا أنا وابني في مسجد دار الأيتام، وبقينا قرب المسجد يساعدنا أهل الخير والمنظمات، ولا زلت أحاول حتى الأن الوصول لتركيا دون جدوى، بسبب عجزنا أنا وابني وزوجتي على الإسراع والهرب من حرس الحدود، كما أني لا أملك المبلغ الكافي الذي يمكنني من الوصول بسلام بعد الدفع للمهربين، فقد خسرت جزءاً كبيراً مما أملكه في عملية الاحتيال التي تعرضت لها بمنبج”.

الحاج أحمد وعائلته، هم جزء من آلاف العائلات التي تقطعت بها السبل في أصقاع الأرض، دون أن يلفت ما جرى لهم، الرأي العالمي المهتم بالآثار، والذي فرح باسترجاع جيش بشار الأسد لمدينة تدمر، فهذا يرحب والأخر يعبر عن فرحه، متناسين أن استرجاع البلد، كان ثمنه أرواح عشرات الأبرياء، الذين فقدوا أرواحهم بالقصف الجوي العنيف، إضافة لتشرد عشرات الآلاف دون أن يساعدهم أحد.

“كل العالم مشغول في حجر تدمر، فهو حجرٌ تاريخي، ولم يفكر أحدٌ بنا نحن أهالي تدمر، الحجر أصبح أغلى وأهم من البشر، كلهم مشغولون في زنوبيا ومملكتها، ونسوا أن هناك آلاف الأبرياء، تُصَب عليهم يومياً مئات الصواريخ والقذائف، لا أقول لك أننا كنا مسرورين عندما كان تنظيم الدولة يحكمنا، ولم نكن كذلك عندما كان جيش النظام الذي سلم المدينة منذ عام، ونحن لسنا مع أي طرف، فالطرفين ليسوا ملائكة، والحرب التي درات في تدمر هي حرب الشياطين”

ويضيف الحاج أحمد: “معركة تدمر الأخيرة كان الأبرياء هم الخاسر الأكبر فيها، فالتنظيم مطية النظام الذي يحاول كسب الرأي العالمي على حسابنا وليس على حساب التنظيم، ونحن الأن لم نعد قادرين على العودة لحكم النظام أبداً، وكُتب علينا التشرد حتى سقوط النظام وانتهاء دولة البغدادي، فالأول يعتبرنا ارهابين، وقام جنده بسرقة ما بقي من أملاكنا، والثاني يعتبرنا مولين الدبر وفارين من الزحف، ولا نعلم كيف سيرضى الطرفيين عنا”.

وكان يعيش في مدينة تدمر حوالي 75 ألف نسمة، وصل منهم عُشرون ألفاً الى مناطق سيطرة الجيش الحر في حلب وحماة وادلب، بعد أن سمح لهم تنظيم الدولة بالعبور لمناطق الحر، يعانون من ظروف إنسانية صعبة في ظل قلة الدعم وعدم تدخل المنظمات الدولية، التي لم تتدخل حتى الأن، ولا حتى بذكر هؤلاء بتقاريرها، بينما يعاني من بقي في مناطق التنظيم أكثر، بسبب عدم وجود منظمات أهلية أو محلية مثل تلك التي في مناطق الجيش الحر.

“لتسقط زنوبيا وتسقط تدمر ويسقط العالم المتخاذل كله أمام كل قطرة دماء بريئة جرت في تدمر”، هكذا ختم الحاج أحمد حديثه ملخصاً بعضاً مما في قلبه عن حاله وحال أهالي المدينة المنكوبين.

التعليقات