رؤية سورية | العدد 33 | 15 تموز 2016

ابراهيم الجبين

من يتجول في خرائط دمشق المدينة، لا يمكنه سوى أن يلاحظ كم تتكرر كلمة بدوي على اليافطات القديمة، لوحات المحامين والأطباء القدامى، وفي الأعمال التقليدية الرصينة للحرف العربي. وكذلك في الجوامع الدمشقية واللوحات التزيينية على الجدران.

بدوي ذاك، هو الحروفي العربي السوري الكبير محمد الديراني، الذي ولد في داريا في أواخر القرن التاسع عشر. وعاش متصلاً بكبار الخطاطين وأئمتهم عبر التاريخ، ليصبح أستاذاً مثله مثل ممدود الشريف وحامد الآمدي في استانبول وهاشم البغدادي.

خطوط بدوي تعود إلى الحياة كلما تقادم عهدها ومضى عليها الزمن، يعكف عليها الدارسون وصوفية الحرف العربي، وبعودتها تعيد معها منبع مبدعها، ومسقط رأسه وملهمتها الأولى..داريا.

داريا التي يحسبها السوريون مجرد ضيعة وارفة الظلال قرب دمشق، كانت ولم تزل مصنعاً للفكر والإبداع والثورة، في شتى المجالات والحقول المعرفية الإنسانية.

قاومت البلدة الصغيرة التي تزاحم دمشق على مزارع صبّارها على ضفاف المزة، خلال السنوات الماضية، ورفضت الانصياع لشروط وإملاءات النظام الوحشي الذي ينظر إليها رئيسه كل صباح من قصره فوق قاسيون. متجرعاً الحسرات، ومغتاظاً من صمود أهلها وعزّتهم. وهم الذين بادروا إلى مظاهر الثورة السلمية من أيامها الأولى.

ولم يملّ جنود الأسد وميليشيات حزب الله من قصف داريا، يومياً. ومن تجويعها وحرمان أهلها من شروط الحياة الأولية، ومن الاتفاق الباطني مع منظمات الأمم المتحدة، حتى في شؤون إدخال المواد الإغاثية ونوعيتها وكمّها.

وكان كل ما قدّمه الأسد لداريا، المزيد من الدمار والخراب والهدم والقتل.

بينما قدّمت داريا الشهداء، كما قدمت العلماء والفنانين والمثقفين، وكما قدّمت النساء اللواني صبرن على الجوع والترويع.

وحتى ساعة كتابة هذه السطور، تتوارد الأخبار التي تقول إن أكثر من ثمانية آلاف مدني أصبحوا محاصرين في كيلومتر مربع واحد في داريا، بينما  تتواصل غارات النظام وروسيا على مناطق عدة مسقطة المزيد من الضحايا رغم تجديد التهدئة.

حصار للأحياء السكنية، بعد سيطرة النظام على منطقة المزارع جنوب داريا إثر معارك مع المدافعين عنها. يسقط النظام  براميله المتفجرة بشكل يومي، وقد أحصى الناشطون سقوط ثمانية آلاف برميل على البلدة الصغيرة خلال ثلاث سنوات.

لكن ما كتبته داريا بحروف صبرها، يطابق ما كتبه خطاطها العظيم بدوي الديراني بحروفه على صفحات التاريخ. لا يمكن محوه، سواءً دخلت قوات الأسد الوحشية داريا أم بقيت خارجها. فقد خلّدت البلدة كأيقونة من أيقونات الإنسانية، وأضحية لصمت العالم على جرائم الأسد. أضحية لن تغفر ولا تنسى في يوم من الأيام.

التعليقات